الأَقْدَسُ الأَمْنَعُ الأَعْظَم
قَدْ جَاءَ عِيْدُ الْمَوْلُودِ وَاسْتَقَرَّ عَلَى الْعَرْشِ جَمَالُ اللهِ الْمُقْتَدِرِ الْعَزِيزِ الْوَدُودِ، طُوبَى لِمَنْ حَضَرَ فِي هَذَا الْيَوْمِ لَدَى الْوَجْهِ وَتَوَجَّهَ إِلَيْهِ طَرْفُ اللهِ الْمُهَيْمِنِ الْقَيُّومِ، قُلْ إِنَّا أَخَذْنَا الْعِيْدَ فِي السِّجْنِ
الأَعْظَمِ بَعْدَ الَّذِي قَامَ عَلَيْنَا الْمُلُوكُ، لا تَمْنَعُنَا سَطْوَةُ كُلِّ ظَالِمٍ وَلاَ تَضْطَرِبُنَا جُنُوْدُ الْمُلْكِ، هَذَا مَا شَهِدَ بِهِ الرَّحْمَنُ فِي هَذَا الْمَقَامِ الْمَحْمُوْدِ، قُلْ هَلْ تَضْطَرِبُ كَيْنُوْنَةُ الاطْمِئْنَانِ مِنْ ضَوضَاءِ الإِمْكَانِ، لاَ وَجَمَالِهِ الْمُشْرِقِ عَلَى مَا كَانَ وَمَا يَكُونُ، هَذِهِ سَطْوَةُ اللهِ قَدْ أَحَاطَتْ كُلَّ الأَشْيَاءِ وَهَذِهِ قُدْرَتُهُ الْمُهَيْمِنَةُ عَلَى كُلِّ شَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ، تَمَسَّكُوا بِحَبْلِ الاقْتِدَارِ ثُمَّ اذْكُرُوا رَبَّكُمُ الْمُخْتَارَ فِي هَذَا الْفَجْرِ الَّذِي بِهِ أَضَاءَ كُلُّ غَيْبٍ مَكْنُوْنٍ، كَذَلِكَ نَطَقَ لِسَانُ الْقِدَم فِي هَذَا الْيَوْمِ الَّذِي فِيهِ فُكَّ الرَّحِيْقُ الْمَخْتُومُ، إِيَّاكُمْ أَنْ تَضْطَرِبَكُمْ أَوْهَامُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِاللهِ أَوْ تَمْنَعَكُمُ الظُّنُونُ عَنْ هَذَا الصِّرَاطِ الْمَمْدُوْدِ.
يَا أَهْلَ الْبَهَاءِ طِيرُوا بِقَوَادِمِ الاْنْقِطَاعِ فِي هَوآءِ مَحَبَّةِ رَبِّكُمُ الرَّحْمَنِ ثُمَّ انْصُرُوهُ بِمَا نَزَلَ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ، إِيَّاكُمْ أَنْ تُجَادِلُوا مَعَ أَحَدٍ مِنَ الْعِبَادِ، أَنِ اظْهَرُوا بِعَرْفِ اللهِ وَبَيَانِهِ بِهِمَا يَتَوَجَّهُ كُلُّ الْوُجُوهِ، إِنَّ الَّذِينَ غَفَلُوا الْيَوْمَ أُوْلَئِكَ فِي سُكْرِ الهَوَى وَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ، طُوبَى لِمَنْ تَوَجَّه إِلَى مَطْلِعِ آيَاتِ رَبِّهِ بِخُضُوعٍ وَأَنَابَ، إِنَّكَ أَنْتَ قُمْ بَيْنَ الْعِبَادِ ثُمَّ ذَكِّرْهُمْ بِمَا نَزَلَ فِي كِتَابِ رَبِّهِم الْعَزِيزِ الْمُخْتَارِ، قُلِ اتَّقُوا اللهَ وَلاَ تَتَّبِعُوا أَوْهَامَ الَّذِينَ تَعَقَّبُوا كُلَّ فَاجِرٍ مُرْتَابٍ. أَنْ أَقْبِلُوْا بِقُلُوبٍ نَوْرآءَ إِلَى شَطْرِ عَرْشِ رَبِّكُمْ مَالِكِ الأَسْمَاءِ إَنَّهُ يُؤَيِّدُكُمْ بِالحَقِّ لاَ إِلهَ إَلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْمَنَّانُ، هَلْ تُسْرِعُوْنَ إِلَى الْغَدِيْرِ وَالْبَحْرُ الأَعْظَمُ أَمَامَ وُجُوهِكُمْ تَوَجَّهُوا وَلاَ تَتَّبِعُوا كُلَّ مُشْرِكٍ مَكَّارٍ، كَذَلِكَ دَلَعَ دِيْكُ الْبَقَاءِ عَلَى أَفْنَانِ سِدْرَتِنَا الْمُنْتَهَى، تَاللهِ بِنَغْمَةٍ مِنْهَا اسْتُجْذِبَ الْمَلأُ الأَعْلى ثُمَّ سُكَّانُ مَدَائِنِ الأَسْمَاءِ ثُمَّ الَّذِينَ
يَطُوفُونَ حَوْلَ الْعَرْشِ فِي الْعَشِيِّ وَالإِشْرَاقِ، كَذَلِكَ هَطَلَتْ أَمْطَارُ الْبَيَانِ مِنْ سَمَاءِ مَشِيْئَةِ رَبِّكُمُ الرَّحْمَنِ، أَنْ أَقْبِلُوا يَا قَوْمِ وَلاَ تَتَّبِعُوا الَّذِينَ جَادَلُوا بِآيَاتِ اللهِ إِذْ نَزَلَتْ وَكَفَرُوا بِرَبِّهِمِ الرَّحْمَنِ إِذْ أَتَى بِالحُجَّةِ وَالْبُرْهَانِ.
ليوم هو الثانى من محرم وهو عيد ميلاد حضره بهاء الله وهذا الموضوع عن جزء بسيط من حياه حضره بهاء الله
ولادة حضرة بهاء الله ونشأته
مقتطفات من خطابة حضرة عبد البهاء
بتاريخ ٦ حزيران ١٩١٥
ولد حضرة بهاء الله فِي اليوم الثّاني من شهر محرّم عام ١٢٣٣ هجريّة فِي طهران وفي محلّة بوّابة شميران… وقد تعلّقت بِهِ والدته تعلّقًا شديدًا بحيث لم يكن يهدأ روعها من الحيرة فِي أطواره المباركة، فكَانَتْ تقول مثلاً إنّ هذَا الطفل لا يبكي أبدًا ولا يصدر منه ما يصدر عادة من الأطفال الرّضّع كالعويل والصّراخ والبكاء والجزع وعدم القرار، وخلاصة القول مضت فترة حتى فطم وكان لوالده تعلّق عظيم
بِهِ، وكان يدري مدى عظمة الجمال المبارك وعلوّ مناقبه ومقام مظهريّته المقدّسة، والبرهان عَلَى ذلك أنّه قد شيّد قصرًا ملوكيًّا فِي قرية تاكور الَّتِي كَانَتْ ملكًا له، وكان الجمال المبارك يقضي معظم فصل الصّيف فِي ذلك القصر، وكان قد كتب المرحوم الميرزا (أي والد حضرة بهاء الله) فِي موقع من مواقع ذلك القصر بخطّ يده وبقلم جليّ هذين البيتين (ما معناهما):
عند وصولك إلى عتبة المحبوب قل لبيك
حيث لا مجال هناك “للسَّلام” أو “لِعَلَيْك”
هَذَا هو وادي العشق فأَوقِفْ خُطاك احترامًا
هَذِهِ الأرضُ أرضٌ مقدّسة فاخلع نعليك.
وذات يوم كان الجمال المبارك يتمشّى وهو فِي السّابعة من عمره، ألقت والدته نظرة شاخصة إلى قامته الجميلة وقالت إنّها قصيرة شيئًا ما، قال والده لا تدرين مدى استعداده وقابليّته ودرجة فطانته وذكائه، إنّه شعلة من النّار وفي هذا العمر يمتاز من الشّباب البالغين، وإن لم تكن قامته طويلة ذلك لا يضرّه شيئًا، مجمل القول نال حضرة بهاء الله شهرة واسعة وهو طفل بحيث ظهرت فيه آثار المواهب الإلهيّة وأصبح محبوب قلوب الجميع، إنّ الوزراء الّذين كانوا أعداء والده الألدّاء كانوا يحبّونه ويحترمونه ويراعونه رعاية مخصوصة، مثلاً كان الحاج الميرزا آقاسي فِي منتهى العداوة مع والده… لكنّه بالرّغم من ذلك كان يبدي محبّة فائقة للجمال المبارك بحيث جعل النّاس فِي حيرة من أمره قائلين كيف أن هذا الرجل الّذي يعتبر عدوًّا لوالده يكنّ مثل هذا الاحترام لابنه… ومع أن الجميع كانوا يعلمون أنّ الجمال المبارك لم يدخل مدرسة ولم يتتلمذ لدى معلّم ولكنّهم جميعًا كانوا يشهدون عَلَى أنّه لا نظير له فِي العلم والفضل والكمال…
وفي فجر يوم من الأيّام ذهبت جدّتي إلى دار الميرزا محمّد تقي المجتهد كي تصلّي، قال لها المجتهد بعد الصّلاة أودّ أن أبشّرك بأنّني حلمت البارحة أنّ حضرة القائم الموعود موجود فِي منزلي ولمّا أردت أن أدخل منزلي منعني الحارس وقال ليس لأحد أن يدخل الآن فِي المنزل لأنّ حضرة القائم الموعود هو فِي خلوة مع الجمال المبارك، ثُمَّ سكت هنيهة وهو متفكّر فقال هذا أمر عجيب كيف حصل للجمال المبارك هذا المقام مع أنّه من بيت الوزارة، فعاد وقال ربّما للصّلة البعيدة الّتي تربطه بأسرتنا نال هذا الشّرف، وباختصار ذاع هذا الحديث أطراف منطقة “نور”، فعلّق عليه بعض ذوات الفطنة والذّكاء وقالوا كيف أنه لم يكن للمجتهد نفسه سبيل للوصول ثمّ لسبب قرابته له حصل للجمال المبارك شرف ذلك اللّقاء، وبالإجمال كان العظماء والأكابر والعلماء الَّذين لهم معرفة بحضرة بهاء الله سواء كانوا فِي مازندران أو فِي طهران يشهدون عَلَى عظمة الجمال المبارك ونبله، وكلّ مسألة هامّة يعرضونها عليه ملتمسين حلاّ لها، وإن أردت أن أشرح تفاصيل كلّ قضية سيطول بنا الكلام.
ولمّا كان الجمال المبارك فِي سنّ الخامسة أو السّادسة رأى حلمًا وشرح ما رأى فِي المنام لوالده فطلب الوالد مفسّرًا للأحلام واستفسر منه عَنْ تفسير ذلك الحلم، وكان رؤيا الجمال المبارك هو أنّه رأى نفسه فِي حديقة فلاحظ أنّ طيورًا عظيمي الجثّة مهاجمون عَلَى رأسه ولكنهم ليسوا قادرين عَلَى أذيته، ثُمَّ ذهب إلى البحر فرأى أن تِلْكَ الطيور وأسماك البحر مجتمعة هاجمة عَلَى رأسه من الهواء والبحر ولكنّهم أيضًا لا يؤذونه، وبعدما سمع المفسّر شرح الرّؤيا قال إِن ذلك دليل عَلَى أن هذَا الطفل سوف يصبح مصدر أمر عظيم الأمر الَّذِي له صلة بالعقل والفكر لأن الرأس مركز العقل والفكر ولذلك جميع رؤساء العالم وأعاظمه سوف يهجمون عَلَى رأس هَذَا الطفل كهجوم طيور الهواء
وأسماك البحر لكنهم لا يضرّونه شيئًا وهو يتغلّب عَلَى الجميع وسوف يخضعون له ويظهر عجزهم…
ثناء حضرة ولي أمر الله وصلاته لحضرة بهاء الله
(مقتطف من توقيع نوروز ١٠١ بديع)
“وَالصَّلوةُ وَالثَّناءُ عَلَى أَعْظَمِ نُورٍ سَطَعَ وَلاَحَ مِنْ مَطْلِعِ الإِشْرَاقِ عَلَى الآفاقِ، جَمالِ القِدَمِ وَالاسْمِ الأَعْظَمِ وَالرَّمْزِ المُنًمْنِم، بَهَاءِ اللهِ الأَفْخَمِ الأَكْرَمِ، حَقِيقَةِ الحَقَائِقِ، جَوهَرِ الجَواهِرِ، نُورِ الأَنْوَارِ، الاسْمِ المَكْنُونِ وَالسِّرِّ المَصُونِ، الأَصْلِ القَدِيمِ وَالنَّبَإِ العَظِيمِ، المَظْهَرِ الكُلِّي الإِلَهِي، مَطَافِ الرُّسُلِ، وَالمَوعُودِ فِي الكُتُبِ وَالصُّحُفِ وَالمَذْكُورِ بِلِسَانِ النَّبِيِّينَ وَالمُرْسَلِينَ، رَبِّ الجُنُودِ، مُكَلِّمِ الطُّورِ، بانِي الهَيكَلِ، مُطَهِّرِ العِلَلِ، الجَالِسِ عَلَى كُرْسِيِّ داوُدَ، الأَبِ السَّمَاوِيِّ، الأَلِفِ وَاليَاءِ، مَلِكِ المُلُوكِ، رَبِّ المَلَكُوتِ، مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، صَاحِبِ العَهْدِ، رَبِّ المِيثَاقِ، نَيِّرِ الآفاقِ، الظَّاهِرِ بـاسْمِ القَيُّومِ، المُلَقَّبِ فِي الكِتَاب المَجِيدِ بِمَنْ يُظْهِرُهُ اللهُ، بَقِيَّةِ اللهِ المُنْتَظَرِ وَالمَنْظَرِ الأَكْبَرِ لِلْبَشَرِ، مَظْلُوم العَالَمِ وَمُحْيِي الرِّمَمِ وَرَافِعِ بُنيَانِ الصُّلْحِ الأَعْظَمِ بَيْنَ الأُمَمِ الَّذِي بِظُهُورِه فُكَّ الرَّحِيقُ المَختُومُ وَامْتَحَنَ اللهُ حَقَائِقَ النَّبِيِّينَ وَالمُرْسَلِين، وَظَهَرَتِ الطَّامَّةُ الكُبْرَى وَالرَّادِفَةُ العُظْمَى، وَنُفِخَ فِي الصُّورِ مَرَّةً أُخْرَى، إِذًا أَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها وَأَخْرَجَتْ أَثْقَالَها، تَعَالَى تَعَالَى عِزُّهُ وَبَهَاؤُه وَمَجْدُهُ وَعَلاؤه وَسَلْطَنَتُهُ وَجَبَرُوتُه وَكِبرِيَاؤُهُ.
من أوصاف طفولة حضرة بهاء الله
جَاءَ فِي كتاب «بهاء الله والعصر الجديد» ما يلي:
وقد حكى عبدالبهاء أكبر أولاد بهاءالله لمؤلّف هذا الكتاب فِي إحدى المناسبات التّفاصيل الآتية عَنْ أوائل أيّام حياة والده فقال ما ترجمته:
“كان منذ طفولته شفوقًا سخيًّا للغاية، وكان محبًّا للعيشة فِي الأرياف، فكان يقضي أغلب أوقاته فِي البساتين أو الحقول، وكَانَتْ له قوّة جاذبيّة خارقة يشعر بها الجميع، فكان النّاس يلتفّون حوله كما كان الوزراء ورجال البلاط يحبّون مجالسته، وكذلك كان يحبّه الأطفال. ولما بلغ السّن الثّالثة عشرة أو الرّابعة عشرة اشتهر بدرايته الواسعة وعلمه الغزير، فكان يتكلّم فِي أيّ موضوع ويحلّ أيّة معضلة تعرض عليه، ويتباحث فِي المجامع مع العلماء، ويفسّر المسائل الدّينيّة المعضلة، وكان الكلّ ينصتون إليه بكلّ ارتياح.
ولمّا بلغ سنّ الثّانية والعشرين، توفّي والده، وأرادت الحكومة أن تسند إليه منصب والده فِي الوزارة، كما هي الحال فِي إيران، ولكنّ بهاءالله لم يقبل ذلك المنصب، وعندئذ قال رئيس الوزراء: “اتركوه لنفسه فإنّ هذا المنصب لا يليق به، فإنّ له غرضًا أسمى تحت نظرِه، ولا أقدر
أن أفهمه، ولكنّني مقتنع بأنّ مهمّة سامية قد قدّرت له، فإنّ أفكاره ليست كأفكارنا، فاتركوه لنفسه”.
وفي كتاب «بهاء الله» تأليف ايادي أمر الله حسن باليوزي جَاءَ ما يلي:
“كَانَ والد حضرة بهاء الله هو الميرزا بزرك الوزير فِي بلاط الشّاه، وكان بهاء الله فِي طفولته يملك قوى عجيبة خارقة، ففي السّابعة من عمره وقف أمام الشّاه ليدافع بالنّيابة عَنْ والدِه فِي قضيّة كسب لها موافقة الشّاه، وكان والده يعلم بأن ابنه ذو صفات عظيمة ولو أنّه لم يكن ليعلم ما كَانَ مقدّرًا لابنه فِي مستقبل الأيّام، ولقد نشأَ جمال القدم بجوار البلاط وعاش وسط الغنى والرّفاه، ولما توفّي والده عرضت عليه وظيفته ولكنّه لم يقبلها”.
وعن ميلاد حضرة بهاء الله اورد المؤرّخ البهائيّ النّبيل الزّرندي فِي تاريخه ما يلي:
ومن بين الَّذِينَ انتبهوا لفحوى الدذعوة الَّتِي قام بها ذلك المطلع الإلهيّ فِي مدينة يزد الحاج عبد الوهاب، وهو رجل ذو تقوى عظيمة ومستقيم ويخاف الله وكان يزور الشّيخ أحمد كلّ يوم بصحبة من يدعى عبد الخالق يزدي الَّذِي كَانَ مشهورًا بنفوذه وعلمه، وفي كثير من الأحيان كَانَ يريد الشيخ أحمد أن يحادث عبد الوهاب سرًّا، فكان يطلب من عبد الخالق أن يتركه عَلَى انفراد مع تلميذه المحبوب، وكان هذَا التّفضّل المشهود لرجل أمّيّ مثل عبد الوهاب سببًا لدهشة زميله الَّذِي كَانَ يظنّ نفسه أقدر وأعلم منه، وكان بعد رحيل الشّيخ أحمد من يزد أن اعتكف عبد الوهاب واعتزل الناس فظنّوه قَدْ زهد وتصوّف، فقام عليه الرّؤساء واتّهموه بأنّه دخيل ويريد أن يسلبهم سلطتهم، وأمّا عبد الوهاب الَّذِي لم يكن منجذبًا لطريقة التّصوّف فلم يكن له كبير اعتناء بادعاآتهم واحتقر اتّهامهم وامتنع عَنْ صحبتهم، ولم يكن له من الأصحاب سوى الحاج حسن النّائيني الَّذِي انتخبه كصديق حميم وأطلعه عَلَى السّرّ الَّذِي أدلى بِهِ إليه سيّده، فلمّا قضى عبد الوهاب نحبه استمرّ ذلك الصّاحب فِي السبيل الَّذِي أرشده إليه وكان يبشّر كلّ شخص مستعدّ ببشارة قرب ظهور دين الله.
وقابلت فِي كاشان الميرزا محمود القمصري الَّذِي كَانَ رجلاً مسنًّا ويبلغ التّسعين من عمره ومحبوبًا ممّن يعرفونه وأخبرني بالرّواية الآتية: (أتذكر أنّي كُنْتَ أسمع وأنا صغير وقاطن فِي كاشان أنّ رجلاً فِي بلدة نائين كَانَ يبشّر النّاس بقرب الظّهور، وكلّ من يسمعه سواء من العلماء أو الموظّفين أو العوام كَانَ يزهد فِي الدّنيا ويحتقرها، وإذ كُنْتَ أريد التّحقّق من صدق ذلك سافرت إلى نائين بدون إطلاع إخواني، وهناك تحقّقت من الرّواية الَّتِي سمعتها عنه، وكَانَتْ طلاقة وجهه تنطق عن
النّور الَّذِي اشتعل فِي روحه وسمعته ذات مرّة – بعد أن أدّى صلاة الصّبح – يقول: (عن قريب سوف تتبدّل الأرض بالجنّة وستكون بلاد إيران كعبة القصّاد من جميع أمم العالم ويطوفون حولها). وفي إحدى الأيّام رأيته لفرط دهشتي فِي الفجر ساجدًا يردّد بإخلاص كلمة الله أكبر كثيرًا، ثُمَّ التفت إليَّ وقال: (إنّ الَّذِي كُنْتَ أبلغك عنه قَدْ ظهر ففي هَذِهِ السّاعة انبثق نور الموعود وهو يضيء العالم بأنواره، يَا محمود الحقّ أقول لك إنّك سوف ترى وتشاهد بعينك يوم الأيّام). فبقيت تِلْكَ الكلمات الَّتِي خاطبني بها ذلك الرجل المقدّس تدوّي فِي أذني إلى أن جَاءَ اليوم الموعود فِي سنة السّتّين، فكان لي الشّرف أن أستمع للنّداء الَّذِي ظهر من شيراز، وكنت ويا للأسف بسبب مرضي غير قادر عَلَى الذّهاب إلى تِلْكَ المدينة، وفيما بعد عندما زار الباب صاحب الظّهور مدينة كاشان ونزل ضيفًا ثلاث ليال فِي منزل الحاج الميرزا جاني لم أكن أعلم بزيارته، وبذلك منعت من شرف المثول بين يديه، وفيما بعد بينما كُنْتَ أتحادث مع أصحاب الأمر علمت بتاريخ ميلاد الباب أنّه يقع فِي أول محرّم سنة ١٢٣٥ هـ. ووجدت أن ذلك التاريخ لم يكن مطابقًا للتّاريخ الَّذِي تكلّم عنه الحاج حسن النّائيني بل كَانَ هناك فرق بمقدار سنتين بين التّاريخين فأزعجني ذلك الأمر وحيّرني، ولكن بعد ذلك بمدّة قابلت الحاج الميرزا كمال الدّين النّراقي الَّذِي أخبرني بظهور بهاء الله فِي بغداد وقصّ عليّ بعضًا من القصيدة الورقائيّة وبعض قطع من الكلمات المكنونة الفارسيّة والعربيّة، فحرّكت أعماق روحي تلاوة هَذِهِ الكلمات القدسيّة وتذكّرت منها ما يأتي: (يَا ابْنَ الْوُجُوْدِ فُؤَادُكَ مَنْزِلِيْ، قَدِّسْهُ لِنُزُوْلِيْ، وَرُوْحُكَ مَنْظَرِيْ، طَهِّرْهَا لِظُهُوْرِيْ. يَا ابن الأرض إذا أردتني لا تطلب سواي ولو تنظر إلى جمالي فأَغمض عينيك عَنْ العالمين لأنّ إرادتي وإرادة غيري كالماء والنّار لا يسكنان فِي قلب واحد). فسألت عَنْ تاريخ ميلاد بهاء الله
فعلمت أنّه سنة ١٢٣٣ هجرية فِي فجر اليوم الثّاني من المحرم، فتذكّرت إذ ذاك كلام الحاج حسن النّائيني وفي اليوم الَّذِي ذكّرني فيه سجدت لله قائلاً: (سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ يَا إلهي أحمدك عَلَى ما أعلمتني بيومك الموعود فإذا دعوتني إليك الآن فإني أموت راضيًا مطمئنًّا) وفعلاً توفّي فِي تِلْكَ السنة وهي سنة ١٢٧٤هـ وصعدت إلى الله روحه الطّيّبة.